أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
369
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « مِنَ الْمَسْجِدِ » لابتداء الغاية . قوله : حَوْلَهُ فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على الظرف ، وقد تقدم تحقيق القول فيه أول البقرة . الثاني : أنه مفعول ، وقال أبو البقاء : أي : « طيّبنا أو نمّينا » . يعني : ضمنه معنى ما يتعدى بنفسه . وفيه نظر ، لأنه لا يتصرف . قوله : لِنُرِيَهُ قرأ العامة بنون العظمة ، جريا على « بارَكْنا » ، وفيهما التفات من الغيبة في قوله : « الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ » إلى التكلم في « بارَكْنا » ، و « لِنُرِيَهُ » ، ثم التفت إلى الغيبة في قوله : « إِنَّهُ هُوَ » إن أعدنا الضمير على اللّه تعالى ، وهو الصحيح ، ففي الكلام التفاتان . وقرأ الحسن : « ليريه » بالياء من تحت ، أي : للّه تعالى ، وعلى هذه القراءة يكون في الآية أربعة التفاتات ، وذلك أنه التفت أولا : من الغيبة في قوله : « الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ » ، إلى التكلم في قوله : « بارَكْنا » ، ثم التفت ثانيا : من التكلم في « بارَكْنا » ، إلى الغيبة في « ليريه » على هذه القراءة . ثم ثالثا : من هذه الغيبة إلى التكلم في « آياتِنا » . ثم التفت رابعا من التكلم إلى الغيبة في قوله : « إِنَّهُ هُوَ » على الصحيح في الضمير « إِنَّهُ » للّه . وأما على قول نقله أبو البقاء : أن الضمير في « إِنَّهُ » هو للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فلا يجيء ذلك ، ويكون في قراءة العامة التفات واحد ، وفي قراءة الحسن ثلاثة ، وأكثر ما ورد الالتفات ثلاث مرات ، على ما قال الزمخشري في قول امرئ القيس : 3054 - تطاول ليلك بالإثمد * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 » الأبيات . وقد تقدم النزاع معه في ذلك ، وبعض ما يجاب به عنه أول الفاتحة ، ولو ادّعى مدّع أنّ فيها خمسة التفاتات ، لاحتاج في دفعه إلى دليل واضح . والخامس الالتفات من « إِنَّهُ هُوَ » إلى التكلم في قوله : وَآتَيْنا مُوسَى الآية . والرؤية هنا بصرية ، وقيل : قلبية ، وإليه نحا ابن عطية ، فإنه قال : « ويحتمل أن يريد لنري محمدا للناس آية ، أي : يكون النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - آية في أن يصنع اللّه ببشر هذا الصنع ، فتكون الرؤية قلبية على هذا . قوله : وَآتَيْنا . فيه ثلاثة أوجه . أحدها : أن يعطف هذه الجملة على الجملة السابقة ، من تنزيه الرب تبارك وتعالى ، ولا يلزم في عطف الجمل مشاركة في خبر ولا غيره . الثاني : قال العكبري : أنه معطوف على « أَسْرى » واستبعده الشيخ . ووجه الاستبعاد أن المعطوف على الصلة صلة ، فيؤدي التقدير إلى صيرورة التركيب : سبحان الذي أسرى وآتينا . وهو في قوة الّذي آتينا موسى فيعود الضمير على الموصول ضمير تكلم من غير مسوغ لذلك . الثالث : أنه معطوف على ما في قوله : « أَسْرى » من تقدير الخبر ، كأنه قال : أسرينا بعبدنا ، وأريناه آياتنا وآتيناه . وهو قريب من تفسير المعنى لا الإعراب . قوله : « وَجَعَلْناهُ » يجوز أن يعود ضمير النصب ل « الْكِتابَ » وهو الظاهر ، وأن يعود ل « مُوسَى » عليه السّلام . قوله : « لِبَنِي إِسْرائِيلَ » يجوز تعلقه بنفس « هُدىً » ، كقوله : يَهْدِي لِلْحَقِّ وأن يتعلق بالجعل ، أي :
--> ( 1 ) تقدم .